حسن الأمين

296

مستدركات أعيان الشيعة

الحظوة : ثم اتصل بهشام بن عبد الملك - وهو لا يزال أميرا - ورافقه إلى الحج نحو سنة 90 هو في هذه الحجة وقعت قصة هشام والإمام زين العابدين ع . ومدح الفرزدق زين العابدين بقصيدته الميمية المشهورة فحبسه هشام . ثم جاء سليمان بن عبد الملك واتصل به الفرزدق وعلت منزلته عنده حتى لقد أصبح شاعر الخليفة حقا ووجد الفرصة سانحة لتفجير حقده على الحجاج فانهال عليه معددا مخازيه مبينا قسوته وطغيانه ومظالمه والدماء التي هراقها : ولولا سليمان الخليفة حلقت بهم من يد الحجاج عنقاء مغرب وثار قتيبة بن مسلم الباهلي في خراسان منتقضا على سليمان وانتصرت تميم للخليفة وقتل قتيبة وبعثوا إلى الشام برأسه فامتلأ الفرزدق زهوا وأخذ يهجو قتيبة وباهلة ويتشفى من الحجاج ويشيد بسليمان وبتميم . وعاش الفرزدق أيامه الجميلة الحلوة ونعم بصحبة سليمان وكثرت ملازمته إياه . كان يقدم على سليمان اقدام الواثق المطمئن حتى يجاوز المألوف . وفي عهد سليمان مدح الفرزدق آل المهلب . وعند ما تولى عمر بن عبد العزيز لم يفلح الفرزدق في مدحه فتنحى وتنحى معه شعراء كثيرون . فلما تولى الملك يزيد بن عبد الملك ( 101 - 105 ) فتح أبوابه للشعراء . وقد بدأ عهده بثورة آل المهلب فانحازت تميم البصرة إلى جانب يزيد الذي تمكن من القضاء على ثورة آل المهلب وكان الفرزدق مبالغة منه في إرضاء يزيد يعيد في مديحه القول في يزيد بن المهلب ويتشفى منه ومن آل المهلب وكأنه يعلن أن هذه نهاية كل عاص . وفي عهد يزيد اتصل الفرزدق بمسلمة بن عبد الملك والي العراق وخراسان فمدحه . واتصل بالعباس بن الوليد وبالغ في تمجيده ومدح فعاله . وولى مسلمة بن عبد الملك عبد الرحمن بن سليم الكلبي أمر البصرة فجاءه الفرزدق مادحا . ولم يطل عهد مسلمة على العراق وخراسان وجاء عمر بن هبيرة الفزاري القيسي واليا عليهما ( 102 ه‍ 105 ه‍ ) فمدحه الفرزدق ولكنه لم يلبث ان تنكر له وراح يهجوه ويهجو قبيلته . وطلب عمر بن هبيرة وابنه يزيد الفرزدق وأراد أخذه وسجنه ولكن الفرزدق الحذر لاذ بالفرار ولم يقدرا إلا على حبس امرأته النوار ولحق الفرزدق بالبادية ثم لجا إلى حمى يزيد بن عبد الملك . وفي كنف يزيد لقي الأمن والبر والصلة وكتب يزيد بتخلية النوار وأمان الفرزدق . وأتاح له مقامه بالشام أن يتصل بالوليد بن يزيد يمدحه ويتقرب به إلى أبيه . وتدل الأخبار انه حضر مجالس الوليد وما كان يدور فيها من غناء ولهو . ولعله وجد في كنف الوليد ما أمل من خير ونعمة فأكثر من مديحه والثناء عليه . وكان من المنتظر ان يكون أشد الولاة عداء للفرزدق بسبب قيسيته وعلويته - زياد بن أبيه والي العراق . من أجل ذلك حرص الفرزدق على ألا يتعرض لزياد فتغافل زياد عنه وتركه وشانه فاخذ خوف الفرزدق من زياد يتناقص ومغامراته الغرامية تزداد وتتسع . فوجد زياد الفرصة مناسبة فطلبه فهرب منه إلى أن مات زياد . الفرزدق والشعراء : تمرس الفرزدق بعدد من الشعراء منذ صباه فكان يهاجي شعراء قومه في خلافة عثمان . وظل على هذه النزعة في شبابه حتى كاد الهجاء يغلب على سائر شعره . وعند ما تجاوز الأربعين كان الهجاء قد لج إذ ذاك بين جرير والبعيث المجاشعي ونالت شظاياه نساء مجاشع فاقبلن على الفرزدق شاكيات مؤنبات قائلات : « قبح الله قيدك ! ( القيد الذي قيد به نفسه ليحفظ القرآن ) فقد هتك جرير عورات نسائك فلحيت من شاعر قوم ! » فكن نعم المشجعات على ما كان يصبو اليه . ففض قيده وقال قصيدة أصاب رشاشها البعيث وهدد جريرا . ثم خص جريرا بقصيدة بائية أصابت البعيث كذلك . وكان هذا في عهد الحارث بن عبد الله والي البصرة لابن الزبير ( 684 - 686 ) . ثم توالت النقائض واحدة من جرير وأخرى من الفرزدق نحو نصف قرن حتى وفاة الشاعرين سنة 732 . والناس من شعراء ومتأدبين منقسمون قسمين : فرزدقي وجريري يتشاحنون حتى العداوة . وقد دخل الأخطل بين الشاعرين في ولاية بشر بن مروان للبصرة بعد ان مر عليهما في الهجاء بضع سنوات ، سأله بشر عنهما فقال : الفرزدق ينحت من صخر وجرير يغرف من بحر فهاج الحكم جريرا فبدأ عهد الهجاء بينه وبين الأخطل . أما الفرزدق فشكر للأخطل حكمه وأخذ يمدحه وقومه ويعاونه على هجاء جرير . ومن الشعراء الذين اتصل بهم الفرزدق قليلا أو كثيرا الحطيئة وكعب بن جعيل اجتمع بهما في مجلس سعيد بن العاص والي المدينة فحكم له الحطيئة إذ سمع إنشاده . وفي المدينة كان يجتمع بكثير وبإبراهيم بن محمد الزهري فيتناشدون الأشعار . ومن الشعراء الذين أصابهم رشاش من هجائه مسكين الدارمي هجاه لأنه رثى زياد بن أبيه . والطرماح الطائي هجاه وهجا قومه . والأصم الباهلي هجاه وقومه أيضا . كما هجا شاعرة من فقيم فلم تقصر في هجائه . وقد اتصل بذي الرمة سمعه ينشد في المربد فحكم على شعره ثم لم يلبث ان سرق من أبياته كما سرق من شعر الشمردل وابن ميادة وجميل بن معمر . وفي المربد كان للفرزدق حلقة خاصة يجتمع فيها بالراعي وغيره من مريديه . واجتمع الفرزدق في حضرة سليمان بن عبد الملك بجرير وكثير عزة وعدي بن الرقاع . ففضله سليمان عليهم جميعا في الفخر . واجتمع مرة ثانية بنصيب ففضل سليمان عليه نصيبا في المدح . فهجا الفرزدق نصيبا . وعرف ليلى الأخيلية فأنشدها وأنشدته . وفي آخر عهده مدح عبد الله بن عبد الأعلى شاعر بني شيبان . فأكثر وأجاد . الديوان كان للفرزدق عدة رواة ينشرون شعره في حياته منتقلين به من حي إلى حي ومن مدينة إلى مدينة . وهم أدوات النشر في عصر الأدب الشفهي . فبلغوا بشعره أطراف الجزيرة حتى عمان بل تجاوزوها إلى مصر . وقد عرفنا منهم أبا شقفل ولعله أشهرهم وعمرو بن عفراء الضبي وهبيرة بن الصلت والطهوي وعبيدا أحد بني ربيعة بن حنظلة . وللفرزدق ديوان مطبوع في جملة الدواوين الخمسة ( النابغة وعروة وحاتم وعلقمة والفرزدق ) بمصر 1293 . وطبع على حدة في باريس سنة 1870 وما بعدها مع ترجمة فرنسية للمسيو بوشر عن نسخة خطية صورت من مكتبة أيا صوفيا في الآستانة وطبعت تتمتها في ميونيخ سنة 1901 . وفي دار الكتب المصرية نسخة خطية إملاء محمد بن حبيب مشروحة . ومنه نسخ خطية أيضا في اكسفورد وليدن وغوطا وبرلين ولندن . ولكن يبدو ان طبعة بوشية ( بوشر ) كانت ناقصة فقام المستشرق